الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

49

نفحات القرآن

من هنا فإنّ الآيتين أعلاه أقامتا برهان العلّة والمعلول في الآفاق والأنفس ، وعليه فإنّ الآية الثانية تشهد كذلك على أنّ الحديث يدور حول العلّة الفاعلية لا الغائية . في الختام تشير هذه الآية إلى هذه الحقيقة وهي أنّ القضايا في هذا الصدد واضحة ، ولكن العيب هو أنّهم لا يستعدّون للإيمان واليقين : « بَل لا يوقِنُون » . أجل ، إنّ الحقّ بيّن ، بَيدَ أنّهم معاندون وأعداءٌ للحقّ . وفي الحقيقة فإنّ هذه الجملة تشابه ما ورد في قوله تعالى : « وَفِى خَلقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِّقَومٍ يُوقِنُونَ » . ( الجاثية / 4 ) أو تشابه ما ورد في قوله تعالى : « وَفِى الأَرضِ آيَاتٌ لِّلمُوقِنِينَ » . ( الذاريات / 20 ) وواضح أنّ أولئك لو كانوا من الموقنين لما احتاجوا إلى الآيات ، وعليه فإنّ الحديث يدور حول الذين لا يقين لديهم ولكنّهم على استعداد لقبوله . وذهب جمع من المفسّرين إلى أنّ المقصود هو أنّ أولئك لا يقولون بأنّهم خلقوا السماوات والأرض ، بل يعتقدون بأنّ اللَّه هو الخالق ، نظير ما جاء في قوله تعالى : « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّماوَاتِ والأَرضَ لَيقُولُنَّ اللَّهُ » « 1 » . ( لقمان / 25 ) بيد أنّ هذا التفسير يبدو بعيداً . والأضعف من هذا الاحتمال هو ما يقوله الذين يعتقدون أنّ معنى الآية هو : « أنّهم لا يقين لهم بما يقولون وهو أنّ اللَّه خالق السماوات والأرض » وهو اليقين الذي يدعوهم إلى العبودية والطاعة . ويتّضح خطأ هذا التفسير من أنّ الآيات هذه لم تطرح قضيّة خلق اللَّه للسماوات والأرض ، فكيف يمكن أن تكون هذه الجملة إشارة إليها ؟ « 2 » وأخيراً تقول الآية الثالثة كاستنتاج دون ذكر للاستدلال : « أَمْ لَهُم إِلهٌ غَيرُ اللَّهِ سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ » .

--> ( 1 ) أقرّ الزمخشري هذا التفسير في الكشّاف وقد احتمله الفخر الرازي في الكبير وجمع آخر من المفسّرين . ( 2 ) جاءت عبارة « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَماواتِ والأَرضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » في العنكبوت ، 61 ؛ الزمر ، 38 ؛ الزخرف ، 9 و 87 ؛ لقمان ، 25 .